خالد سعد...يكتب


يصادف اليوم السبت، الاحتفال العالمي بيوم السكان وفي الصدارة قضية تمكين الشباب من تحقيق تطلعاتهم والموازنة بين التحولات الديموغرافية ومتطلبات التنمية، في وقت يواجه السودان سؤالا في غاية الأهمية الاستراتيجية: كيف يمكن بناء سياسة سكانية جديدة لبلد أعادت الحرب رسم خريطته البشرية المتباينة اصلا، وغيرت توزيع سكانه، وأثرت في تركيبته العمرية، وفرضت واقعا ديموغرافيا غير مسبوق؟

ومع أن آثار الحرب على السكان تبدو واضحة في موجات النزوح واللجوء والعودة الطوعية، فإن القضية أعمق من مجرد انتقال ملايين الأشخاص من مكان إلى آخر أو عودة اعداد كبيرة منهم طوعا؛ فهي تمس طبيعة المجتمع السوداني ومستقبل التنمية وإعادة الإعمار.

ولعل أول ما ينبغي الاشارة إليه هو أن الأزمة السكانية في السودان لم تبدأ مع الحرب، فالسودان على الرغم من مساحته الشاسعة وموارده الطبيعية الكبيرة، ظل يعاني لعقود من اختلال واضح في توزيع السكان.

قبل الحرب، كان متوقعا أن يصل عدد سكان السودان إلى أكثر من 64 مليونا بحلول عام 2035 حسب البيانات الرسمية عن تحديات سكانية، فقد بلغ عدد سكان السودان نحو 44.4 مليون نسمة عام 2020، مع توقعات بارتفاع بمعدل نمو سكاني بنحو 2.39%، وهو من المعدلات المرتفعة عالميا.

وتبرز خصوصية التركيبة السكانية في ارتفاع نسبة الشباب، إذ كان نحو 69.8% من السكان دون سن الثلاثين وفق بيانات التعداد الخامس لعام 2008، وهذه الكتلة البشرية الكبيرة كانت تمثل فرصة لتحقيق عائد ديموغرافي يقود التنمية الاقتصادية، لكنها ظلت تواجه تحديات ضعف الاستيعاب التعليمي، وقلة فرص العمل، والفقر، قبل أن تأتي الحرب لتحول جزءا كبيرا من هذه الطاقة الشبابية إلى أحد أكثر الفئات تأثرا بالنزاع.

ودفعت الحرب باعداد كبيرة من هؤلاء الشباب إلى مسارات مختلفة؛ فمنهم من حمل السلاح للدفاع عن حرماته، ومنهم من نزح أو لجأ، ومنهم من فقد فرص التعليم والعمل، ومنهم من غادر البلاد بحثا عن مستقبل أكثر استقرارا، وهكذا تحولت نافذة الفرصة الديموغرافية إلى تحد تنموي.

كما تكشف البيانات الصادرة قبل أشهر قليلة في وثيقة من الحرب من الصندوق القومي للسكان عن اختلال واضح في توزيع السكان، فقد ارتفع سكان الحضر إلى نحو 17.9 مليون نسمة عام 2020، واستحوذت الخرطوم وحدها على 41.9% من سكان المدن في السودان، ويعكس هذا التركز ضعف التنمية المتوازنة والهجرة الداخلية.

ثم جاءت الحرب لتضاعف هذا الخلل، فقد أعادت رسم الخريطة السكانية عبر النزوح الداخلي واللجوء الخارجي، وأفرغت بعض المناطق من سكانها، وأثقلت مدنا اخرى بأعداد تفوق قدرتها على الاستيعاب، وعندما عادت أعداد كبيرة من السكان الى مساكنهم في الولايات التي تم تحريرها، كان لابد من اثارة التساؤلات حول كيف ستؤثر هذه التحولات على مستقبل الاقتصاد، والخدمات، والإدارة المحلية، وإعادة الإعمار، والتماسك الاجتماعي.

لقد تسببت الحرب التي اندلعت في أبريل 2023 في أن يصبح ملايين السودانيين خارج مناطق إقامتهم الأصلية، حيث تشير تقديرات المنظمات الدولية (منظمة الهجرة) إلى أن عدد النازحين داخليا تجاوز 8 ملايين شخص، إضافة إلى أكثر من 3 ملايين لاجئ وفار إلى دول الجوار، وكانت هذه الارقام تمثل ما يقارب ربع سكان السودان متأثرين بصورة مباشرة بحركة النزوح واللجوء، وبالتالي كانت أكبر عملية نزوح يشهدها السودان في تاريخه الحديث.

وفي المقابل، بدأت تظهر حركة عكسية تمثلت في العودة الطوعية، حيث عاد ملايين الأشخاص تدريجيا إلى بعض المناطق التي شهدت تحسنا نسبيا في الأوضاع الأمنية بعد تحريرها من انتشار قوات الدعم السريع، غير أن العودة لا تعني انتهاء الأزمة الديموغرافية، لأن العائدين يعودون غالبا إلى مناطق فقدت جزءا كبيرا من بنيتها الخدمية والاقتصادية. لذلك فإن التحدي يظل في إعادة بناء البيئة التي تضمن استقرارهم وتمنع تجدد النزوح.

تشير الوثيقة الصادرة من صندوق السكان، إلى اختلالات تنموية أخرى قبل الحرب مثل توزيع الكوادر الصحية حيث استأثرت الخرطوم وحدها بنحو 38% من إجمالي العاملين في القطاع الصحي، كما كشفت المؤشرات عن هشاشة رأس المال البشري فقد بلغ متوسط كثافة الأطباء نحو 5.6 أطباء لكل عشرة آلاف نسمة، وهو معدل منخفض مقارنة بالنمو السكاني واحتياجات البلاد الصحية، ولم تقتصر المشكلة على محدودية الأعداد، بل امتدت إلى هجرة الكفاءات، إذ غادر البلاد نحو 60% من الأطباء و25% من الصيادلة، الأمر الذي أضعف النظام الصحي وأفقده جزءا مهما من موارده البشرية المؤهلة، وجاءت جائحة كوفيد-19 لتضيف ضغوطًا جديدة على الاقتصاد والمجتمع، بالتزامن مع ارتفاع البطالة وتراجع الدخول، ولا سيما بين الشباب. ثم جاءت الحرب لتضاعف هذه التحديات، وهو ما يفرض إعادة النظر في السياسات السكانية باعتبارها جزءا من مشروع وطني تنموي شامل لإعادة بناء الدولة.

في اليوم العالمي للسكان، يقول تقرير الامم المتحدة إن مستقبل السكان لا يقاس بعدد المواليد أو بحجم السكان وحده، بل بقدرة المجتمعات على توفير الفرص أمام الشباب، وتمكينهم من بناء حياتهم والمشاركة في التنمية. وإذا كان هذا هو التحدي العالمي، فإن السودان يواجه تحديا مضاعفا، لأن الحرب أضعفت البيئة التي تسمح أصلا بتحقيق هذه الفرص.

كذلك تفرض الحرب أسئلة ديموغرافية لا تزال بحاجة إلى إجابات دقيقة. فما حجم الخسائر البشرية الفعلية؟ وكيف أثرت الحرب في معدلات الوفيات؟ وهل تغيرت أنماط الزواج والإنجاب؟ وما أثر النزوح والهجرة في معدلات المواليد والتركيب العمري؟ وكيف ستؤثر هجرة الكفاءات في حجم القوة العاملة خلال السنوات المقبلة؟ إن الإجابة عن هذه الأسئلة هي أساس لأي تخطيط اقتصادي أو اجتماعي في مرحلة ما بعد الحرب.

لهذا فإن إعادة الإعمار لا ينبغي أن تقتصر على تشييد الطرق والجسور والمباني، إذ لابد أن تبدأ بإعادة بناء السياسة السكانية نفسها. فالسودان بحاجة إلى رؤية جديدة تربط بين السكان والتنمية، وتعالج اختلال توزيع السكان، وتشجع التنمية المتوازنة بين الأقاليم، وتعيد الاستثمار في الشباب باعتبارهم رأس المال الحقيقي للدولة، وتضع سياسات لعودة الكفاءات والنازحين واللاجئين بصورة طوعية وآمنة، إلى جانب تحديث قواعد البيانات السكانية وإجراء تعداد شامل يعكس الواقع الجديد الذي أفرزته الحرب.

لقد تغير السودان خلال هذه الحرب أكثر مما تشير إليه الخرائط السياسية. تغيرت خريطته البشرية، وتبدلت مراكز ثقله السكاني، وأعيد تشكيل مجتمعاته المحلية، وظهرت تحديات جديدة تمس الأمن القومي والاقتصاد والتنمية في آن واحد، وبالتالي فإن أي مشروع لبناء السودان بعد الحرب سيظل ناقصا إذا لم يجعل من السياسة السكانية أحد أعمدته الرئيسية