خالد سعد...يكتب ...

لطالما ارتبطت هذه الحرب منذ اندلاعها في أبريل 2023، بالتدمير وتوقف عصب الحياة الاقتصادية، بيد أن مشروعا هندسيا معقدا كشق "عقبة ياس" لإنشاء طريق يربط بين ولاية البحر الأحمر ومدينة أبو حمد بولاية نهر النيل، يمثل صورة مغايرة، ويكاد يصبح اعجازا تنمويا نادر الحدوث في مسارات التنمية المحلية إذا اكتملت اعماله في ميقاتها، وبمواصفات تسمح بالتطوير.

وليس ذلك فحسب، بل إن المشروع يمثل نموذجا للتنمية القائمة على فاعلية المجتمع المحلي، ودليلا إضافيا على النتائج التي يمكن أن تتحقق من المشاركة الشعبية في التمويل والتنفيذ والرقابة، في ظل ضعف قدرة المؤسسات الحكومية على توفير الموارد وتوزيعها العادل وتنفيذ المشروعات التنموية في ظل ظروف الحرب أو قبلها.

اللافت في تجربة طريق "عقبة ياس" أن المجتمع المحلي استطاع، في ظرف استثنائي، ووسط تضاريس جبلية صعبة، أن ينتقل من المطالبة إلى المساهمة في حشد الموارد وتحريك عملية التنفيذ، ما يشير إلى قدرة المجتمعات المحلية على صناعة حلولها التنموية عندما تعجز مؤسسات الدولة عن ذلك.

الطريق الذي بدأت فعليا السفلتة، ظل حلما لأهل المنطقة منذ زمن، وتمت المطالبة به رسميا من قبل سكان المنطقة في عام 2007، كما شكلت لجنة ولائية من أجله في عام 2018 بقرار ولائي.

وبعد ضغوط أهلية، أوكلت حكومة الولاية إلى شركة هندسية مهمة تنفيذ المشروع، ثم طُرح كعطاء ضمن مشروعات صندوق إعمار الشرق، ووقع العطاء على مقاول من الخرطوم. وعندما جاء المقاول ووقف على المشروع، عاد واعتذر، نسبة إلى حجم أعمال شق الجبل مقارنة بالقيمة المقدرة للمشروع، ثم بدأت شركة الموانئ الهندسية العمل في عام 2020، لكنها لم تنجز المشروع في ذلك الوقت. حسب مقرر لجنة المشروع، المهندس علي تيته، في إفادة لكاتب المقال.

ويضيف تيته، إن أهل المنطقة أطلقوا في عام 2023 نفرة شعبية لتنفيذ المشروع والترويج له، والاستفادة من وجود الحكومة المركزية في بورتسودان، ووجد المشروع دعما ولائيا واتحاديا، إلى جانب دعم القطاع الخاص والأهالي، حتى وصل إلى هذه المرحلة المتقدمة.

وحسب منصة طريق بورتسودان أبو حمد الإعلامية، مثلت عملية شق العقبة الجبلية الجزء الأشد صعوبة الذي تطلب عمل الآليات الثقيلة لشق الجبال وفتح الممر، حيث يمتد المقطع بطول 2.5 كيلومتر، ويتراوح ارتفاع السلسلة الجبلية بين 6 إلى اكثر من 12 مترا في بعض النقاط، حيث تمت عمليات ردم وتسوية للمسار والغاء المنعطفات الحادة من اجل تصميم سعة مرورية بعرض 10 أمتار تتيح استيعاب حركة المرور في اتجاهين وعبور الشاحنات والآليات الثقيلة بأمان.

يقع المشروع في محلية القنب والأوليب في امتداد مدينة بورتسودان، وهي من المحليات المهمة في ولاية البحر الأحمر، من حيث امتدادها الجغرافي للمدينة ومن حيث دورها في توفير بعض الخدمات والموارد المرتبطة بها، ففي المحلية يقع خور أربعات، الذي تعتمد عليه مدينة بورتسودان في الإمداد بمياه الشرب، كما تتميز المنطقة بموارد طبيعية واقتصادية مهمة، في مقدمتها الذهب.

وهذه المميزات تجعل طريق "عقبة ياس" أكثر أهمية من مشروع للربط بين نقطتين جغرافيتين فقط، فهو يفتح اتصالا تنمويا بين مناطق ظلت تعاني من العزلة الجغرافية وبين مجتمعات أخرى ومراكز الخدمات والأسواق والنشاط الاقتصادي.

وتضم المنطقة مجموعة قرى ومواقع سكانية، ظلت بفعل خليط من الاخفاقات المحلية والمركزية ووعورة الجغرافيا، بعيدة عن سهولة الوصول، وبإنشاء الطريق تصبح هذه المناطق أقرب إلى شبكة الحركة والنقل، ما يمهد لوصول الخدمات الأساسية إليها، وفي مقدمتها الصحة والتعليم والكهرباء، ويفتح أمام سكانها فرصا أوسع للتواصل والحركة والنشاط الاقتصادي.

تظهر القيمة التنموية للطريق في شمول المجتمعات التي يخرجها من العزلة ويضعها على خارطة الاتصال التنموي الوطني، خصوصا وأن هذه المناطق تكتسب أهمية إضافية من ثرواتها المعدنية، خصوصا الذهب، وهو ما يمنح الطريق بعدا اقتصاديا واضحا.

ويمر الطريق بمناطق ومواقع تعدين مهمة، ما يجعل تحسين الاتصال بينها وبين المراكز التجارية والنقل أحد العوائد الاقتصادية المحتملة للمشروع.

كما يرتبط طريق عقبة ياس–أرياب بمشروع تعدين مربع شركة أرياب للتعدين "11"، ما يسهل عمليات الشركة اللوجستية، نظرا لقرب المسافة، فضلا عن دوره المحتمل كبنية تحتية تخدم مشروعات خامات النحاس، وتيسر عمليات البحث والاستكشاف وتعدين الخامات في المناطق الواعدة.

وبالمقارنة مع طريق بورتسودان–عطبرة–أبو حمد، فإن المسار الجديد يختصر المسافة القديمة عبر (هيا – عطبرة) من حالي 700 كيلو إلى ما يقارب 400 كلم كمسار كامل، ويقرب المسافة بين شرق السودان وشمال البلاد عبر منطقة صحراوية شاسعة، غنية بالموارد المعدنية وتعاني في الوقت نفسه من وعورة الطرق وطول مسافات النقل.

ولا تتوقف أهمية الاختصار عند توفير الوقت والوقود، إذ كلما انخفضت تكلفة الوصول إلى مناطق الإنتاج، وإخراج منتجاتها إلى الأسواق، ارتفعت قدرتها على الاندماج في الاقتصاد الوطني، إذا كانت هناك استراتيجية وطنية واضحة لإدارة هذه الموارد.

ومن زاوية استراتيجية، يساعد الطريق الذي يرتبط بالموانئ البحرية، في تسويق موقع السودان كبوابة للوسط الافريقي الحبيس، رغم أن هذا المشروع التنموي الوطني الضخم قد يتطلب جهود اخرى في ذات الاتجاه مثل تحديث الموانئ واضافة طرق برية وأخرى للسكك الحديد.

كذلك فإن الوظيفة التنموية للطريق، ستتيح فرصا للتواصل الاجتماعي والوصول إلى المدرسة والمستشفى والسوق والكهرباء، ويفتح المجال أمام حركة العمالة والخدمات والاستثمار، ويزيد من قدرة المنتج المحلي على الوصول إلى المستهلك.

إلا أن القيمة الاستثنائية لمشروع طريق "عقبة ياس" تعاظمت بعد أن قاد المجتمع المحلي هذا المشروع وشق مساراته في خضم حرب طاحنة وضغوط اقتصادية غير مسبوقة، رافقها انكماش حاد في الموارد التنفيذية للدولة، وفي ظل توقف العديد من المشروعات القومية والتنموية وتوجيه معظم الطاقات نحو الطوارئ.

لقد أظهرت التجربة أيضا قوة "رأس المال الاجتماعي"، والثقة المتوفرة بين أفراد المجتمع، والشبكات الاجتماعية، والقدرة على التنظيم، والاستعداد للمساهمة، ووجود قيادات محلية قادرة على تحويل المطالب المشتتة إلى هدف تنموي جماعي، وحتى دون حمل للسلاح الذي تتسم به غالبية حركات الاحتجاج المشتكية من التهميش وضعف التنمية.

في حالة "عقبة ياس"، لم يكتف المجتمع المحلي بانتظار الطريق، وبدأ يتعامل مع المشروع باعتباره قضية جماعية، وجاءت فكرة النفرة من الارث الشعبي التي وفرت إطارا لتجميع مساهمات مالية وفكرية وفنية متفرقة وتحويلها إلى مورد يمكن توجيهه نحو هدف تنموي محدد، وربما ذلك هو الفارق بين التبرع العابر والمشاركة التنموية.

بالطبع تمثل هذه التجربة أحد المبادئ الأساسية في الاتصال التنموي، وهو أن الاتصال لا ينبغي أن يكون مجرد نقل رسائل من جهة تمتلك القرار إلى مجتمع يتلقى التعليمات، وإنما هو عملية تشاركية تتيح للمجتمع التعبير عن احتياجاته، والمشاركة في تحديد الحلول وتنفيذها وتقييمها من خلال الرقابة المباشرة.

وهذه نقطة جوهرية، لأن التجارب الوطنية أثبتت أن استدامة المشروعات في السودان لا تتوقف دائما على حجم التمويل، وإنما تتأثر أيضا بدرجة مشاركة "أصحاب المصلحة" في المجتمعات المحلية بالمشروع، إلا أن ذلك لا يعني أن مسؤولية الدولة عن التنمية يمكن إسقاطها على المجتمعات المحلية، والدرس البليغ من تجربة مشروع "عقبة ياس" يعزز إمكانية بناء علاقة أكثر فاعلية بين مؤسسات الدولة والمجتمع.

مع ذلك، ثمة قيود أو تحديات ستواجه هذا المشروع يجب الانتباه إليها، فالمشروع وليد مبادرة شعبية فرضتها الحاجة والعزلة، ولكنه يعمل خارج مظلة "رؤية تنموية قومية شاملة"، ومن المحتمل أن يؤدي غياب التخطيط القومي الشامل في أن يظل المشروع "جزيرة تنموية معزولة"، وبالتالي فإن التحدي يكمن في إدماج هذا المسار ضمن رؤية اقتصادية شاملة لإقليم البحر الأحمر وبقية ولايات البلاد، لكي لا تتحول الفوائد إلى مكاسب محدودة.

مهم أيضا الاشارة إلى أن المرجح تغييرا في الحالة الديموغرافية في شرق السودان عموما وفي المنطقة التي كانت معزولة إلى حد ما نتيجة ضعف التنمية وافتقارها للخدمات، بيد ان الطريق الذي سيفتح المجال لتوفير الخدمات (كهرباء، مياه، أسواق) سيكون جاذبا لهجرة داخلية وتوسع تعديني.

هذا الوضع المتوقع يتطلب استعداد أهلي من المجتمعات المحلية للاستجابة للمتغيرات الديموغرافية المرتقبة، لأن فتح طريق بهذه الأهمية الاستراتيجية يتبعه تدفق للعمالة والأنشطة الاقتصادية، مما يفرض على الإدارات الأهلية والتنظيمات المحلية الاستعداد لتنظيم الأرض، ومنع النزاعات على الموارد، واستيعاب التنوع الاجتماعي القادم دون الصدام مع النسيج المحلي.

الواقع الذي يجب ان نتعامل معه أن موقع ولاية البحر الأحمر ليس شأنا محليا فقط، بل هو ساحة تنافس واهتمام دولي وإقليمي بالغ الحساسية، وأن أي خطوة أو مشروع مرتبط باتجاه الموانئ أو العمق الشمالي والشرقي يحظى بمتابعة فاعلين آخرين، ولربما يجذب الانتباه الإقليمي والدولي للمنطقة كمرتكز نفوذ أو ممر اقتصادي، وهو ما يتطلب حذرا سياسيا وسياديا في إدارة هذه الموارد والمشروعات.