زين العابدين الطيب...يكتب..
كثيرًا ما يُنظر إلى كرة القدم على أنهاعندما تنتصر الإنسانية بعد صافرة النهاية
مجرد لعبة، وأن ما يدور في المدرجات لا يتجاوز حدود التشجيع والانتصار والهزيمة. غير أن الحقيقة أعمق من ذلك بكثير، فالرياضة في أرقى صورها مدرسة للأخلاق، ومنصة للحوار، وجسر تتواصل عبره الشعوب نحو المعرفة والاحترام وقبول الآخر.
ولعل أجمل ما في كرة القدم ليس ما يحدث خلال التسعين دقيقة، سواء في ملعب نيوجيرسي أو غيره، وإنما ما يحدث بعدها؛ عندما تنتهي المنافسة، وتسقط الحواجز، ويعود الجميع إلى إنسانيتهم المشتركة. هناك يبدأ الحوار الحقيقي… حوار ما بعد المدرجات.
في ساحة تايمز سكوير، أشهر ميادين مانهاتن بمدينة نيويورك، وبعد واحدة من أكثر المباريات إثارة، عشت مشهدًا إنسانيًا سيبقى عالقًا في الذاكرة.
خرجت الجماهير الأرجنتينية إلى الساحة وهي تحمل أعلام بلادها بالحماس ذاته الذي دخلت به المباراة. لم أرَ وجوهًا منكسة، ولا مشاعر غضب أو كراهية تجاه المنافس، بل رأيت اعتزازًا بالمنتخب وإيمانًا بأن الأداء المشرف لا تقل قيمته عن النتيجة. كثيرون رفضوا وصف ما حدث بالهزيمة، معتبرين أن منتخبهم قدم عرضًا يستحق الاحترام والتقدير.
أما المشهد الأكثر تأثيرًا، فكان اختلاط الجماهير الإسبانية والأرجنتينية في مجموعات واحدة. كانوا يسيرون معًا، ويتبادلون الأحاديث والابتسامات، وترتفع أعلام البلدين جنبًا إلى جنب، وكأن المباراة كانت مناسبة للتعارف لا للخصومة.
كان الجميع يرقص ويغني ويحتفل. وللحظة لم يعد بالإمكان التمييز بين المنتصر والمهزوم. بدا وكأن الفائز الحقيقي هو الإنسان، وأن كرة القدم أدت رسالتها كاملة، فجمعت القلوب بعد أن تنافست الأقدام.