مصعب بريــر...يكتب..

هيئة الغذاء والدواء.. هل يُرمّم "الاسم الجديد" الجدار المتهالك؟

هل المشكلة حقاً في اسم اليافطة المرفوعة على باب المؤسسة، أم في كفاءة ما يجري داخل أروقتها؟ هذا السؤال البسيط يفرض نفسه بقوة كلما واجهنا أزمة في هيئاتنا الخدمية والرقابية. فنحن ننتمي إلى بلد يمتلك سبْق التأسيس للنظم الصحية في المنطقة، وحين كانت دول الجوار تبحث عن اللبنات الأولى لمؤسساتها، كان السودان يرسخ قواعد الرقابة الدوائية والصحية بمرجعية علمية مشهودة. غير أننا ومع مرور العقود، انشغلنا بتغيير المسميات وتزيين الواجهات، بدلاً من التوقف الشجاع لمعالجة الأسباب الحقيقية التي أدت إلى تهالك المنظومة وتراجع أدائها التاريخي.

تجددت هذه الاستفهامات مؤخراً مع إعلان اللجنة المكلفة بإعداد مسودة ترفيع المجلس القومي للأدوية والسُّوم إلى "هيئة الغذاء والدواء" عن عقد اجتماعها الأول. اجتماع ضم قامات أكاديمية وتنفيذية، وعضوية عمداء كليتي الصيدلة والطب البيطري بجامعة الخرطوم، وإدارة صحة البيئة بوزارة الصحة الاتحادية. وهي خطوة تسعى لتطبيق توصيات سابقة نهجت حذو الهيئات الإقليمية والدولية لتطوير الإشراف الرقابي. المنظر العام يبدو براقاً ومواكباً للتطور البيروقراطي، لكن التساؤل الجوهري يظل قائماً حول الجدوى والأولويات في ظرف معقد كظرفنا الراهن.

التساؤل هنا ليس رفضا مجرداً للتطوير، بل استيضاح لموقع الأولويات؛ فهل ترفيع الهيكل الرقابي هو الحاجة الماسة الآن؟ إن التجارب الدولية الناجحة، كالهيئة العامة للغذاء والدواء السعودية أو نظيرتها الأمريكية، لم تكتسب قوتها من مجرد دمج قطاعي الغذاء والدواء في كيان واحد، بل لأنها بُنيت على استقلالية مالية وفنية كاملة، ومختبرات مرجعية متطورة، وسلاسل إمداد محكمة. أما نقل التجربة عبر الدمج الشكلي دون علاج الاختناقات الهيكلية السابقة، فإنه يحول الفكرة من نقلة نوعية إلى مجرد عبء إداري يضيف تعقيدات بيروقراطية جديدة.

وما يزيد المخاوف هو النمط الإداري المتكرر في واقعنا، حيث يعتاد القادة الجدد مع كل مسمى جديد التنصل من تراكم النظام القديم وأخطائه، والبدء مجدداً من نقطة الصفر. إن إعادة إنتاج المؤسسات بهذه الطريقة يهدر التراكم المعرفي، ويتجاهل تحفظات واعتراضات أصحاب المصلحة الحقيقيين، من صيادلة وأطباء بيطريين وضباط صحة، ممن ظلوا ينادون بإصلاح البيئة التشغيلية وتوفير المعامل الأساسية وتأمين الميزانيات، كشرط لا بد منه قبل خوض مغامرة إعادة الهيكلة وتغيير اللافتات الرسمية.

بعد اخير :

خلاصة القول، إن المواطن الذي يعاني اليوم لتأمين حبة دواء آمنة أو غذاء يخضع لرقابة حقيقية، لا ينشغل كثيراً بما إذا كان الختم الرسمي يتبع لمجلس أم لهيئة او ادارة عامة. ما يهمه حقيقة هو الأثر الملموس على صحته وقوته اليومي. وإن استغراق الكوادر الرقابية في صياغة القوانين الجديدة واللوائح التنفيذية الصورية، على حساب الدور الميداني المباشر، يظل شكلاً من أشكال الهروب من مواجهة تحديات الواقع الأليم إلى وعود تنظيمية مؤجلة لا تغني ولا تسمن من جوع.

اخيراً، إن تغيير العناوين على الأبواب المتهالكة لا يغير من حقيقة الخلل الشاخص بالداخل في شيء. فالأمم لا تنهض بنسخ تجارب الآخرين الشكليّة، بل بشجاعة ترميم ما أفسدته الإدارة في تجاربها الأليمة.

﴿لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾.

ونواصل إن كان في الحبر بقية، بمشيئة الله تعالى.

البُعد_الآخر | مصعب بريــر

الاثنين | 20 يوليو 2026م

musapbrear@gmail.com