أمدرمان: سناء صلاح.
دعا خبراء وصحفيون ومسؤولون إعلاميون في السودان إلى إصلاح البيئة التشريعية والاقتصادية والمهنية لقطاع الصحافة، ودعم عودة الصحف الورقية بالتوازي مع تسريع التحول الرقمي، محذرين من أن الحرب التي اندلعت في أبريل 2023 فاقمت الظواهر السالبة في الوسط الإعلامي وأضعفت ثقة الجمهور في بعض وسائل الإعلام.
واختتمت بمركز الفضاء العالمي للثقافة والإعلام بأم درمان، أمس، ورشة بعنوان «واقع الصحفيين في السودان ما بين الضغوط المهنية والالتزام الأخلاقي.. التحديات الراهنة وآفاق الإصلاح المؤسسي»، نظمها القطاع الإعلامي بالمركز، وناقشت واقع المهنة وتحدياتها في ظل الحرب والتحولات التقنية والاقتصادية المتسارعة.
وقال الدكتور طارق عبدالله محمد، في ورقة بعنوان «الظواهر السالبة في الوسط الإعلامي: الأسباب والتداعيات وآليات المعالجة»، إن الحرب أدت إلى انهيار أو تعطّل عدد من المؤسسات الصحفية والرقابية، وفتحت المجال أمام دخول مؤثرين جدد إلى الحقل الإعلامي، ما أسهم، بحسب تقديره، في اتساع بعض الممارسات التي تتعارض مع المعايير المهنية والأخلاقية.
وأضاف أن التطور التكنولوجي وانتشار الإعلام الرقمي أتاحا لقطاعات واسعة ممارسة النشر الإعلامي دون معرفة كافية بقواعد المهنة وأخلاقياتها، الأمر الذي انعكس على جودة المحتوى وأثر في ثقة الجمهور بوسائل الإعلام.
وأشار إلى أن تنامي الظواهر السالبة يهدد استقلالية الإعلام ويضعف قدرته على نقل الحقيقة، كما يمكن أن يؤثر في السلم الاجتماعي والثقة العامة بالمؤسسات الإعلامية.
وأكدت الدراسة أهمية تعزيز النزاهة المهنية وتطوير آليات الرقابة الذاتية والالتزام بمواثيق الشرف الصحفي، إلى جانب تحديث التشريعات المهنية وبناء سياسات مؤسسية تسهم في استعادة المصداقية وثقة الجمهور.
تطور الوسائل لا ينبغي أن يأتي على حساب جوهر الصحافة.
من جانبه، دعا الكاتب الصحفي عبدالماجد عبد الحميد إلى تعزيز دور المؤسسات الصحفية والتنظيمات المهنية في حماية أخلاقيات مهنة الصحافة ومواكبة التحولات الرقمية المتسارعة.
وقال، في ورقة بعنوان «دور المؤسسات الصحفية والتنظيمات المهنية في تعزيز أخلاقيات مهنة الصحافة.. التحديات الراهنة»، إن أي مهنة لا يمكن أن تستقيم من دون قواعد أخلاقية وسلوكية تحفظ قيمها وتضمن استمراريتها.
وأوضح أن الصحافة انتقلت من وسيلة تقليدية لنقل الأخبار إلى بيئة رقمية تفاعلية متعددة الوسائط، أصبح فيها الجمهور شريكاً في صناعة المحتوى من خلال التصوير والتعليق والنشر الفوري، فيما تحول الخبر إلى منتج يجمع النص والصورة والفيديو والإنفوغرافيك والبودكاست.
وأشار إلى أن التوسع في صحافة البيانات وأدوات الذكاء الاصطناعي سيواصل تغيير طبيعة العمل الإعلامي، وربما يؤثر في عدد من الوظائف، لكنه شدد على أن التكنولوجيا لا ينبغي أن تمس جوهر المهنة المتمثل في البحث عن الحقيقة، والتحقق من المعلومات والمصادر، والالتزام بالدقة والموضوعية والنزاهة والشفافية.
الحرب تضرب المؤسسات والمطابع وتعرقل عودة الصحافة الورقية
وفي ورقة بعنوان «تحديات عودة الصحافة الورقية السودانية»، قال الأستاذ أبوعبيدة عبدالله محمد إن استعادة الصحف المطبوعة لنشاطها تتطلب معالجة الأزمات الاقتصادية واللوجستية التي يواجهها القطاع، بالتزامن مع تطوير نماذج رقمية واقتصادية وتحريرية جديدة تضمن استدامة المؤسسات الصحفية.
وأوضحت الورقة أن الحرب ألحقت أضراراً مباشرة بعدد من المؤسسات الصحفية والمطابع، وأعاقت شبكات التوزيع، فيما أدت ظروف الحرب إلى هجرة أعداد من الصحفيين والعاملين في المجال الإعلامي، ما أسهم في توقف غالبية الصحف الورقية أو تقليص نشاطها بصورة كبيرة.
وأشارت إلى أن ارتفاع أسعار الورق والأحبار ومواد الطباعة، إلى جانب تكاليف الكهرباء والوقود والنقل، وتراجع القوة الشرائية وانكماش سوق الإعلانات، تمثل أبرز العقبات أمام استئناف الإصدار المنتظم للصحف.
وأضافت أن صعوبة الحصول على التمويل والتسهيلات المصرفية رفعت تكلفة إنتاج النسخة الواحدة مقارنة بالعائد المتوقع من توزيعها.
وفي المقابل، أكدت الورقة أن الانتشار الواسع للإعلام الإلكتروني ومنصات التواصل الاجتماعي أحدث تحولاً عميقاً في صناعة الأخبار، خصوصاً مع تفضيل قطاعات واسعة من الجمهور، ولا سيما الشباب، المحتوى السريع والمرئي والتفاعلي.
ورغم ذلك، اعتبرت أن الصحافة الورقية لا تزال تمتلك مزايا تتصل بالمصداقية والتحرير المهني والتوثيق والتحقيقات والتحليلات المتعمقة، داعية إلى عدم التعامل معها باعتبارها منافساً للإعلام الرقمي، وإنما تطوير نموذج تكاملي يجمع النسخة المطبوعة بالمنصات الإلكترونية.
وتناولت الورقة أزمة توزيع الصحف، مشيرة إلى تضرر شبكات النقل بين الولايات وارتفاع تكاليف الترحيل ونقص منافذ البيع والموزعين، فضلاً عن تأخر وصول الصحف إلى القراء وضعف البنية اللوجستية.
واستعرض الباحث تجارب دولية في الحفاظ على الصحافة المطبوعة، من بينها اليابان وألمانيا والهند، مقابل تجارب في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وأستراليا وكندا اتجهت فيها مؤسسات صحفية إلى تقليص الطباعة أو التحول إلى الإصدارات الرقمية.
واقترحت الورقة تقديم دعم حكومي مؤقت لمدخلات الطباعة، وإعفاء الورق والأحبار من الرسوم الجمركية والضرائب، واعتماد نموذج «الصحيفة المزدوجة» الذي يجمع بين النسخة الورقية والمنصة الرقمية، إلى جانب تنويع مصادر الدخل وتطوير شبكات التوزيع وتدريب الصحفيين على إنتاج المحتوى الرقمي متعدد الوسائط.
وخلصت إلى أن مستقبل الصحافة الورقية لا يرتبط بمجرد استئناف الطباعة، وإنما بقدرتها على التكيف مع البيئة الإعلامية الجديدة، مؤكدة أن التحول الرقمي أصبح ضرورة، لكنه لا يعني بالضرورة نهاية الصحافة المطبوعة.
وزير إعلام الخرطوم يدعو لإعادة إصدار الصحف
ودعا وزير الثقافة والإعلام والسياحة بولاية الخرطوم، الطيب سعد الدين، إلى إعادة إصدار الصحف الورقية باعتبارها وثيقة رسمية ورافداً مهماً للتوثيق، مؤكداً ضرورة توفير الدعم المؤسسي للصحفيين وتعزيز مسؤوليتهم الاجتماعية والمهنية.
وشدد الوزير على أهمية تقنين وتنظيم أوضاع العمل الصحفي بما يعزز الممارسة المهنية ويحفظ حقوق العاملين، داعياً إلى تشكيل لجنة بالتنسيق مع أجهزة الدولة لمتابعة تنفيذ توصيات الورشة.
مطالب بتحسين أوضاع الصحفيين
وأكد نائب الأمين العام لمركز الفضاء العالمي للثقافة والإعلام، عادل سنادة، أهمية الدور الذي اضطلع به الصحفيون خلال الحرب في تغطية الأحداث ومتابعتها، مشيراً إلى مواقف إعلامية وصفها بالداعمة للقوات المسلحة خلال ما أسماه «حرب الكرامة».
وقال إن المركز يهتم بتدريب الصحفيين داخل السودان وخارجه، وتعزيز وحدة الوسط الصحفي، وتشجيع العاملين في المجال على القراءة والتطوير المستمر لقدراتهم المهنية.
وأشار إلى مساعٍ بالتنسيق مع اتحاد الصحفيين لتحسين أوضاع العاملين في القطاع من خلال توفير التمويل وتنفيذ مشروعات تتناسب مع إمكاناتهم، إلى جانب البحث عن آليات لتمويل شراء السيارات بشروط ميسرة.
توصيات للتحول الرقمي وإصلاح البيئة التشريعية
وخلصت الورشة إلى حزمة من التوصيات لمواكبة التحول الرقمي، باعتباره ضرورة لاستمرار المهنة، من بينها مراجعة نصوص القانون الجنائي بما يتناسب مع الإعلام الرقمي، وتوحيد جهات التقاضي، ومراجعة المصطلحات الفضفاضة التي يمكن أن تؤدي إلى تقييد العمل الصحفي.
كما أوصت بدعم استقلالية المجلس القومي للصحافة والمطبوعات من خلال مراجعة هيكل تشكيله وتقليل التبعية للسلطة التنفيذية، إلى جانب تحسين البيئة الاقتصادية للصحافة عبر إعفاء مدخلات الإنتاج من الرسوم والضرائب.
وشملت التوصيات المهنية تطوير قدرات الصحفيين في السرد الرقمي والتحقق من المحتوى والتزييف العميق، وتنويع مصادر دخل المؤسسات، وتطويع المحتوى لآليات عمل المنصات الرقمية دون التفريط في العمق الصحفي، وتعزيز أمن المعلومات وحماية المصادر، وإنشاء غرف متخصصة للتدقيق ومواجهة الأخبار الزائفة، وتحقيق التوازن بين سرعة النشر والالتزام بأخلاقيات المهنة.
وخلص المشاركون إلى أن إنقاذ الصحافة السودانية لا يتوقف على استعادة الطباعة وحدها، بل يتطلب إعادة بناء المنظومة الإعلامية على أسس مهنية واقتصادية وتشريعية جديدة، تجمع بين قوة الصحافة الورقية وإمكانات الإعلام الرقمي، مع تعاون الحكومة والقطاع الخاص والمؤسسات الإعلامية والتنظيمات المهنية لضمان استمرار الصحافة بوصفها مرفقاً ثقافياً وإعلامياً وتوثيقياً مهماً.