محمد بابكر ...يكتب..

​في أروقة البناية الزجاجية بنيويورك أديرت بالأمس مسرحية سياسية سيئة الإخراج أُريد لها أن تسمى زورا (جلسة مجلس الأمن لبحث الأوضاع في السودان) . جلس القوم على المنصة الدولية يتبادلون الخطب الفارغة ويتصنعون الحزن والحرص على دماء السودانيين ومعاناتهم الإنسانية وكأنهم لم يكونو سببا فيها بغضهم الطرف عن الفاعل الذي يمد التمرد بالسلاح بينما القناع الدبلوماسي الحاضر لم يستطع حجب سوأة الانحياز والنفاق الذي يدار به هذا الملف منذ اندلاع الأزمة.


​إن ما شهدته الجلسة لم يكن جهلا بالحقائق أو قصرا في أدوات الرصد والتقصي بل كان تسترا للحق متعمدا على أسباب الكارثة. فالقوم يعلمون قبل غيرهم ومن واقع التقارير الاستخباراتية والأدلة الميدانية والاعلامية الدامغة التي قدمتها الحكومة السودانية أن الحرب لم تكن لتستمر كل هذه السنوات ولم تكن المعاناة لتبلغ هذا المدى لولا شريان الإمداد المستمر بالسلاح والعتاد والمؤن الذي يتدفق بلا انقطاع لصالح المليشيا المتمردة من دويلة الإمارات بمباركة وتوجيه أمريكا وإسرائيل.


​لقد أظهرت المداولات حالة من عمى الألوان السياسي لدى القائمين على أمر الجلسة حيث تعمد المتحدثون وفي مقدمتهم المندوب الأمريكي ووكلاء الأمم المتحدة التغاضي التام عن الدور الإقليمي المشبوه في تمويل وتغذية النزاع متجاهلين خطوط نقل الأسلحة والعتاد والمسيرات والذخائر التي تعبر الحدود عبر دول جوار معروفة للجميع في تواطؤ مفضوح يغلب حسابات المصالح والصفقات المالية على الحقيقة والعدالة.

يرافق ذلك سعيٌ خبيث لإحداث مساواة أخلاقية وقانونية مرفوضة بين الجيش الوطني السوداني الذي يمارس واجبه الدستوري والأخلاقي في حماية المواطنين وصون أراضي الدولة وبين عصابات إجرامية ومليشيات متمردة استباحت الحرمات والدماء وهي قسمة جائرة تسقط عن هذه المنظمة الدولية ما تبقى لها من مصداقية ووقار.


​وفي قمة هذه المهازل وضع مندوب السودان الدائم السفير الحارث إدريس المجلس أمام مرآة عوراته ومسؤوليته الأخلاقية بحزم وثبات إذ خاطب الحاضرين بنبرة الحق قائلا (لن يجرؤ أحد منكم على سؤال الجهات التي انتهكت الحظر في دارفور وأمدت الجماعات المتمردة بالأسلحة وهي معروفة لديكم) . وأردف محاصرا النفاق الدولي بوقائع تقاريرهم الرسمية (فريق الخبراء أدان تأجيج الإمارات للحرب في السودان بدعمها المليشيا المتمردة ولم يتم مناقشة تقرير الفريق حتى الآن) .

لقد كشف الدبلوماسي السوداني تعامي هذا المنبر وتواطئه أمام الأدلة الموثقة مبيّنا أن الصمت الدولي ليس إلا تغطية على ممولي التمرد ورعاته.

​وفي مقابل هذا الانسياق الغربي برز الموقف العربي والإقليمي الأصيل في كلمة مندوب مصر الدائم السفير إيهاب عوض و الذي وقف بصلابة ضد مساعي مساواة القوات المسلحة السودانية بالمليشيا المتمردة رافضا أي محاولات لتأسيس كيانات موازية أو المساس بوحدة السودان ومؤسساته الشرعية.

كما وضع المندوب المصري يده على جذر الأزمة حين طالب المجتمع الدولي بضرورة اتخاذ إجراءات حاسمة لوضع حد لتهريب الأسلحة والمرتزقة إلى السودان وتجفيف شريان الإمداد القادم من الدول الداعمة للمليشيا. وتكامل هذا الطرح مع الموقفين الروسي والصيني إذ وقفت موسكو وبكين كحائط صد أمام محاولات الابتزاز السياسي معلنتين رفضهما القاطع لمشروع القرار الأمريكي الهادف لتوسيع حظر السلاح ليشمل كامل الأراضي السودانية ومحاولات إخضاع البلاد لسياسات العقوبات والخنق الاقتصادي مع التأكيد الصارم على احترام سيادة السودان ووحدة أراضيه.

الشارع السوداني يتساءل اليوم بمرارة مشروعة بأي منطق أخلاقي أو قانوني تبيح تلك القوى لنفسها ولحلفائها دك المدن وتسيير الجيوش وتجاوز الحدود في أفغانستان والعراق وغزة تحت شعارات الأمن القومي ثم تأتي اليوم لتمارس الابتزاز السيادي على الخرطوم؟ كيف يسلب الجيش السوداني حقه الطبيعي في ملاحقة المرتزقة والقتلة داخل حدوده الوطنية بينما يغض الطرف عن عربدة القوى الاستعمارية وحلفائها في المنطقة؟


​أما أولئك النفر من المحسوبين زورا على السياسة السودانية (سياسي الغفلة) ممن تعودوا الرقص طربا مع كل عقوبات تفرض على شعب السودان وجيشه العظيم فنقول لهم بملء الفم لن تفرحوا أبدا ولن تفلحوا في العودة إلى سدة الحكم مهما توهمتم! لقد لفظكم هذا الشعب الأبي ولم تعد لكم أي مكانة في حساباته فقد خرج هذا الشعب من أتون هذه الحرب واعيا مدركا وتمايزت أمامه الصفوف ناصعة بلا غبش.

لقد ميّز الشعب السوداني بيقين لا يخالطه شك بين الشرفاء الذين ضحوا بأرواحهم وأموالهم ودمائهم فداء للوطن وكرامته وبين من باع أرضه وشعبه وقايض دماء الشرفاء بحفنة دولارات في موائد العمالة والشتات!


​ختاما سينهض شعب السودان العظيم مجددا بفضل تضحيات أبنائه الزكية وعزيمة رجاله الأوفياء وبإسناد صادق من حلفائه وأشقائه المخلصين من مصر الشقيقة والسعودية وتركيا وروسيا والصين.

فليعلم الصامتون والمتواطئون أن هذا الشعب الكوشي الضارب بجذوره في عمق التاريخ والكرامة لن ينحني يوما لقرارات تحركها لوبيات مجلس الأمن المنحازة والتي تأتمر بأمر الصهيونية وأدواتها.


إن صمود الشعب السوداني وجيشه الباسل عقيدة إيمان راسخة وسيواصل معركته الوطنية بصلابة حتى تطهير كل شبر من أرض الوطن ودحر التمرد والغزاة وطرد الخونة والعملاء بلا رجعة.

وستبقى سيادة السودان خطا أحمرا تكتب خطوطه بدماء الأبطال لا بمداد قرارات نيويورك المشبوهة.