م.صلاح غريبة - مصر
زلزال كردفان: كيف أعادت معركة "الـ11 منطقة" رسم الخريطة العسكرية في السودان؟
تشهد الساحة العسكرية السودانية تحولاً ميدانياً واستراتيجياً فارقاً يعيد صياغة معادلات الصراع المسلح الذي تشهده البلاد منذ منتصف أبريل 2023. ويمثل البيان الرسمي الصادر عن القيادة العامة للقوات المسلحة السودانية، بالتكامل مع القراءة التحليلية العسكرية عبر الشاشات الإخبارية، إعلاناً صريحاً عن الانتقال من مرحلة الدفاع واحتواء الصدمات الإقليمية إلى مرحلة المبادأة الهجومية الشاملة واكتساح الجغرافيا.
أعلن الناطق الرسمي باسم القوات المسلحة السودانية عن تمكن الجيش والقوات المساندة له من تحرير 11 منطقة استراتيجية في ولاية شمال كردفان، وهي: (كجمر، شرشار، البنية الكرينية، القليعات، أولاد حزمة، مقولدات، ريشان، القاعة، غابة اللقد، الكوكيتي، والمنطقة المحيطة بالمزروب).
وعند تفكيك هذا الإنجاز الميداني من منظور عسكري، تتضح عدة حوافز تكتيكية غير مسبوقة. وشملت التخطيط والإعداد المسبق، فلم تكن المعركة مجرد اشتباك عابر، بل كانت نتاج عمل ميداني وتحضير لوجستي وعسكري امتد لنحو شهر كامل، لتنفيذ أضخم عملية برية، فتتطابق التقديرات التحليلية مع بيان القيادة العامة في كون المعركة تُعد واحدة من أكبر وأشرس العمليات البرية التي شهدتها المنطقة، حيث استخدم الجيش استراتيجية الانقضاض المزدوج (الجوية والبرية) لتطهير الجيوب وتدمير الدفاعات الحصينة، لتنفيذ تكتيك نهاية فصل الخريف، فأستثمرت القوات المسلحة انحسار مياه الأمطار ونهاية فصل الخريف للتغلب على عوائق الحركة والتنقل، مما أتاح للآليات الثقيلة والمشاة حرية الالتفاف والمناورة واكتساح التحصينات الميدانية التي كانت تراهن عليها قوات الدعم السريع.
تُمثل كردفان الكبرى العمق الاستراتيجي والربط الجغرافي الذي يربط إقليم دارفور بالعاصمة والولايات الشمالية والشرقية. ولذلك، فإن السيطرة على هذه المناطق الـ11 تُحقق مكاسب استراتيجية متعددة، شملت تأمين الحواضر الكبرى، حيث سيُنهي هذا التقدم الميداني التهديدات المباشرة التي كانت تشكلها قوات الدعم السريع على مدينة الأبيض (عاصمة شمال كردفان) ومدينة الدلنج، فضلاً عن تقليص قدرتها على استهداف العاصمة القومية ومحيطها، مع قطع خطوط التحشيد والإمداد: كانت تلك المناطق الممتدة محاور أساسية لتجميع القوات واستقبال التعزيزات العسكرية القادمة من الغرب باتجاه عمق القطر السوداني. وبحسم هذه المناطق والتوسع في التمشيط غرب الأبيض، قُطعت شرايين الإمداد الرئيسية عن الفلول المتبقية.
يرسم البيان الرسمي والتطرق التحليلي ملامح مرحلة جديدة من المواجهة؛ فمع مطاردة بقايا قوات الدعم السريع حتى تخوم دارفور، أصبحت بوصلة العمليات تتجه مباشرة نحو الإقليم الغربي.
إن نقل الثقل العسكري باتجاه دارفور يعكس رغبة القيادة العامة في إنهاء أصل القدرة القتالية للمليشيات في معاقلها الرئيسية، واستئصال شأفتها بشكل كامل، ويعني ذلك أن حسم معركة كردفان لم يكن سوى تمهيد وتأسيس لجبهة انطلاق واسعة نحو دارفور، لفرض سيادة الدولة واستعادة الأمن على كامل التراب الوطني.
إن المعارك الأخيرة في شمال كردفان لا تُقاس فقط بحدود المناطق التي تم تحريرها، بل بما ترتب عليها من تحول في موازين القوى والتوازنات الردعية. فقد أثبتت القوات المسلحة والقوات المساندة قدرتها على إدارة عمليات برية معقدة وطويلة المدى. ومع انكفاء قوات الدعم السريع وتراجعها نحو حدود دارفور، يدخل النزاع السوداني مرحلته الحاسمة التي تتجه نحو تثبيت سيادة مؤسسات الدولة وإحكام القوات المسلحة لسيطرتها الميدانية الكاملة.