طلعت دفع الله عبد الماجد..يكتب..

مؤتمرات الأطراف البيئية: بين كلفة الحضور وسؤال الأثر

ليست المشكلة في أن يشارك السودان في مؤتمرات المناخ، أو التصحر، أو التنوع الأحيائي. فهذه المؤتمرات ليست مناسبات هامشية، بل منابر دولية مهمة تناقش مصير الأرض والماء والغذاء والغابات والمراعي والحياة البرية.


المشكلة تبدأ حين تتحول المشاركة إلى حضور شكلي: وفود كبيرة، سفر، فنادق، صور، وتصريحات، ثم عودة بلا خطة واضحة، ولا تقرير جاد، ولا أثر يلمسه الناس في القرى والحقول ومناطق الهشاشة البيئية.


هذه المؤتمرات تنتمي في أصلها إلى ما يُعرف بـ اتفاقيات ريو الثلاث: اتفاقية المناخ، واتفاقية مكافحة التصحر، واتفاقية التنوع البيولوجي. وهي اتفاقيات وُلدت من إدراك عالمي بأن تغير المناخ، وتدهور الأراضي، وفقدان التنوع الأحيائي ليست ملفات منفصلة، بل أزمات متداخلة تضرب ذات الإنسان وذات الأرض.


فالجفاف لا يأتي وحده؛ يأتي معه فشل الموسم الزراعي، وهلاك المراعي، ونقص المياه، وتراجع الغطاء النباتي، وضغط أكبر على الغابات. وفقدان التنوع الأحيائي لا يعني اختفاء نوع نباتي أو حيواني فقط، بل ضعف النظام البيئي الذي يحمي التربة وينظم الماء ويسند معيشة الناس.


لذلك لا يصح أن نناقش المناخ بمعزل عن التصحر، ولا التصحر بمعزل عن الغابات والمراعي، ولا التنوع الأحيائي بعيدًا عن المجتمعات المحلية التي تعيش داخل هذه المنظومات وتعتمد عليها في رزقها اليومي.


مؤتمر التصحر الأخير، UNCCD COP17، اختُتم في أولان باتور بمنغوليا في 28 أغسطس 2026، تحت شعار “استعادة الأرض، استعادة الأمل”، وناقش قضايا تدهور الأراضي والجفاف واستعادة النظم الرعوية والزراعية. وهذا المؤتمر يهم السودان مباشرة، لأن التصحر والجفاف وتدهور الأراضي ليست موضوعات بعيدة عنا، بل هي في قلب أزمتنا البيئية والاقتصادية والاجتماعية.


وفي ملف التنوع الأحيائي، انتهى مؤتمر CBD COP16 إلى اتفاقات تتعلق بتمويل التنوع الحيوي، وآليات المتابعة، ومؤشرات قياس التقدم في تنفيذ إطار كونمينغ-مونتريال العالمي للتنوع البيولوجي. كما سيُعقد مؤتمر CBD COP17 في يريفان بأرمينيا في أكتوبر 2026 لمراجعة التقدم العالمي في حماية الطبيعة.


أما مؤتمرات المناخ، فقد أنتجت قرارات مهمة، من اتفاق باريس إلى قرارات التمويل، والتكيف، والخسائر والأضرار. ففي COP29، اتفقت الدول على رفع تمويل المناخ للدول النامية إلى 300 مليار دولار سنويًا بحلول 2035، مع الدعوة إلى تعبئة 1.3 تريليون دولار سنويًا من مصادر عامة وخاصة.


لكن السؤال الذي لا بد من طرحه بهدوء هو: ماذا تحقق على الأرض؟ لا يكفي أن تصدر الوثائق، ولا أن تُعقد الجلسات، ولا أن تزدحم القاعات بالوفود، إذا بقيت القرى عطشى، والغابات تُقطع، والمراعي تتدهور، والحياة البرية تتراجع، والمجتمعات لا تجد صوتًا حقيقيًا في القرار.


العالم نفسه بدأ يراجع كلفة هذه المؤتمرات. فقد أشارت دراسة حديثة إلى أن سفر وفود مؤتمرات المناخ من COP1 إلى COP29 تسبب في نحو 710 ألف طن من مكافئ ثاني أكسيد الكربون. وهذا لا يعني إلغاء المؤتمرات، لكنه يجعل سؤال حجم الوفود وجدوى المشاركة سؤالًا مشروعًا.


بالنسبة للسودان، المشكلة ليست في السفر وحده. المشكلة في ضعف التحضير، وفي اختيار الوفود على عجل، وفي غياب الملفات الفنية المكتملة، وفي ضعف التنسيق بين مؤسسات المناخ والغابات والمراعي والزراعة والمياه والحياة البرية.


لا ينبغي أن نسافر إلى مؤتمر المناخ بلا ملف واضح عن الطاقة والغابات والزراعة المطرية. ولا إلى مؤتمر التصحر بلا خرائط دقيقة لتدهور الأراضي والجفاف والرعي والغطاء النباتي. ولا إلى مؤتمر التنوع الأحيائي بلا رؤية عن المحميات، والأنواع المهددة، والغابات الطبيعية، والمعارف المحلية، وحقوق المجتمعات.


الوفد الجيد لا يُقاس بعدد أفراده، بل بقدرته على التفاوض، وفتح أبواب التمويل، وعقد الشراكات، ثم تحويل ما يعود به إلى عمل داخل السودان. وفد صغير مؤهل، يعرف ما يريد، خير من وفد كبير يعود بصور كثيرة ونتائج قليلة.


نحتاج قبل كل مشاركة إلى غرفة تحضير وطنية تضم أهل الاختصاص في المناخ، والتصحر، والتنوع الأحيائي، والغابات، والمراعي، والزراعة، والمياه، والطاقة، والاقتصاد، والقانون، والتمويل. ولا بد أن يكون للمجتمعات المحلية مكان حقيقي في هذه الغرفة، لا حضور رمزي يكتمل به شكل الوثيقة.


فالمزارع الذي تغيرت عليه مواعيد المطر، والراعي الذي ضاقت أمامه المراعي، والمرأة التي تقطع مسافات أطول لجلب الحطب والماء، وأهل القرى الواقعة على حواف التصحر، يعرفون من تفاصيل الأزمة ما لا تراه التقارير الباردة.


كما نحتاج بعد كل مؤتمر إلى تقرير علني مختصر وصريح. ماذا فعل الوفد؟ من قابل؟ ما الفرص التي فُتحت؟ ما التمويل الذي اقتربنا منه؟ ما الالتزامات التي حصلنا عليها؟ وما الخطة خلال ثلاثة أو ستة أشهر؟ بغير ذلك ستظل المشاركة موسمًا خارجيًا ينتهي بانتهاء الرحلة.


قيمة هذه المؤتمرات لا تظهر في القاعة، بل بعد العودة. تظهر في مشروع طاقة بديلة يقلل الضغط على الغابات، أو برنامج لاستعادة الأراضي المتدهورة، أو دعم لحزام الصمغ العربي، أو تمويل للمحميات، أو نظم إنذار مبكر للجفاف، أو شراكة تصل إلى قرية حقيقية لا إلى ملف في مكتب.


السودان لا يحتاج إلى حضور أكبر بقدر ما يحتاج إلى حضور أذكى. يحتاج إلى وثائق أقوى، وبيانات أحدث، ووفود أنسب، وموقف تفاوضي واضح، ومتابعة لا تنتهي عند بوابة المطار.


يبقى معيار المشاركة في مؤتمرات المناخ والتصحر والتنوع الأحيائي بسيطًا وواضحًا: ماذا تغيّر بعد العودة؟ فإن لم يعد الوفد بمشروع قابل للتنفيذ، أو تمويل يمكن متابعته، أو شراكة مفيدة، أو صوت أوضح للمجتمعات المتأثرة، فإن المشاركة تفقد قيمتها مهما كان حضورها لافتًا.


السودان لا يحتاج إلى وفود أكبر، بل إلى إعداد أفضل، وملفات أقوى، واختيار أدق لمن يمثلونه في هذه المنابر. فالقيمة الحقيقية لا تُقاس بعدد المقاعد ولا الصور، بل بما يتحول إلى عمل يحمي الأرض، ويدعم الناس، ويعيد للسياسات معناها العملي.