دنقلا : تليغراف سودان


بينما تتركز الأنظار على خارطات التحركات العسكرية والمسارات الدبلوماسية، كانت هناك حكاية أخرى تُكتب في أروقة الولاية الشمالية، حيث تحولت محليات (مروي، دنقلا، وادي حلفا، القولد، تنقسي، والدبة) إلى مسرح لنشاط مكثف استهدف محاصرة التداعيات المعيشية للحرب على الأسر الأكثر احتياجاً والنازحين.

في جولة ميدانية قادها وزير الموارد البشرية والرعاية الاجتماعية، معتصم أحمد صالح، بمعية مفوض مفوضية الأمان الاجتماعي والتكافل وخفض الفقر، د. محمد علي سالم، لم تكن الأرقام هي الهدف الوحيد، بل كانت "الاستدامة" هي العنوان العريض للمرحلة القادمة.

أرقام في مواجهة التحديات

لم تكتفِ الجولة بالوعود؛ ففي محطة "مروي" وحدها، دُشن برنامج الدعم النقدي للنساء الحوامل ضمن مشروع "سند (2)" الممول من البنك الدولي، في خطوة تستهدف حماية الرعاية الصحية الأولية في وقت تشتد فيه الضغوط على النظام الصحي. وبحسابات الإغاثة، لامس مشروع الدعم النقدي المباشر حياة أكثر من (26,111) مستفيداً، في وقت أصبحت فيه السيولة المالية شريان الحياة للأسر التي فقدت مصادر دخلها بفعل الحرب.


أبعد من "سلة الغذاء"

ولعل الملمح الأكثر أهمية في هذه الجولة لم يكن في "الدعم الاستهلاكي"، بل في "التحول نحو الإنتاج". فقد أثمرت الزيارة عن إطلاق اتفاقية ثلاثية طموحة بين مفوضية الأمان الاجتماعي، ديوان الزكاة، ومصرف الادخار والتنمية الاجتماعية، تستهدف تمويل (2000) من الفقراء النشطين اقتصادياً حتى نهاية عام 2026.

يقول د. محمد علي سالم، مفوض المفوضية: "هدفنا الانتقال من مربع الانتظار للمساعدات إلى مساحة التمكين الإنتاجي". هذا التحول يتجلى في "النافذة الموحدة" التي أُقرت في مدينة الدبة لاستقبال طلبات التمويل، مع إلزام المستفيدين بتدريبات على دراسات الجدوى وإدارة المشروعات، مما يعكس رغبة المؤسسات الرسمية في خلق قاعدة إنتاجية تستطيع الصمود في ظل الأزمة الراهنة.

مشاهد من الميدان

لم تكن الجولة حبيسة الاجتماعات؛ فقد حملت معها المعينات الحركية والكراسي المتحركة للأشخاص ذوي الإعاقة، في محاولة لترميم النسيج الاجتماعي الذي تضرر بفعل النزوح القسري، كما زار الوفد معسكرات النازحين للوقوف على "الفجوات الخدمية" بدلاً من الاعتماد على التقارير المكتبية.

إن هذه الزيارة -في قراءة لمراقبين- تبعث برسالة مزدوجة؛ الأولى هي الحرص الحكومي على تثبيت أركان الخدمات في المناطق التي أصبحت ملاذاً للآلاف، والثانية هي محاولة إعادة هيكلة منظومة الرعاية الاجتماعية لتصبح أكثر قدرة على مواجهة أمد الحرب الطويل، عبر تحويل "فقراء المرحلة" إلى "منتجي المرحلة".

وتظل العبرة، كما يؤكد د. سالم، في قدرة الشركاء على تنفيذ هذه المخرجات على الأرض، لضمان ألا تظل هذه البرامج مجرد "مسكنات مؤقتة"، بل رافعة اقتصادية تمنح الأسر السودانية القدرة على استعادة كرامتها المهنية ومعيشتها المستقرة.