معاوية الجاك...يكتب...

الإعلام ومؤتمر الحوار

احتج بعض الزملاء الإعلاميين على عدم دعوتهم للمشاركة في مؤتمر الحوار السوداني السوداني، وهذا الاحتجاج أعتبره غريباً وخطيراً في آنٍ واحد،

غريبٌ لأن هذا الحوار تتم دعوة السياسيين إليه، وليس الإعلاميين باعتبارهم أطرافاً في الحوار، وخطيرٌ لأن الإعلامي حينما تتم دعوته من جهة سياسية للمشاركة في فعالية سياسية، فإنه يضع نفسه في موقف قد يؤثر على استقلاليته وعكسه للحدث، وقد يتحول، من حيث لا يشعر، إلى جزء من منظومة سياسية لا يقوم معها بعمله بالصورة المطلوبة.

الإعلامي هو الذي يُبتعَث من مؤسسته، أو يتحرك بنفسه لتغطية الأحداث، حتى يعكس صورةً مجردةً ومهنيةً، ترتكز على الشفافية والحياد لخدمة المصلحة العامة للوطن والمواطن، أما أن تتم دعوته من جهة سياسية، وتُمنح له تذكرة السفر والإقامة في الفنادق والنثريات مقابل التغطية، فهذا يعني تدجينه واستمالته بصورة كاملة للأسف

للأسف الشديد، وبكل الحزن والأسى، فإن بعض الزملاء الإعلاميين احتجوا، من دون أن يشعروا، على حق ليس من حقهم أصلًا، فكيف ينتظرون من لجنة الحوار السوداني السوداني، وهي لجنة سياسية، أن تدعوهم، وتقدم لهم تذاكر السفر، وتوفر لهم الفنادق، ثم تمنحهم النثريات مقابل تغطية الحوار؟

هل يُشترى العمل الإعلامي بالترغيب؟ وهل يُطلب من الإعلامي أن يؤدي دوره مقابل تذكرة سفر وفندق ونثريات؟

وهل يستطيع من يصل إلى السودان عبر تذكرة وفرتها لجنة الحوار، ويقيم في فنادقها ويتلقى نثرياتها، أن ينتقد أي صورة سلبية في الحوار، بهدف التقويم وتصحيح الفكرة، وخدمة الوطن والمواطن؟

الزملاء الإعلاميون الذين احتجوا، ومن دون أن يشعروا، قدموا أنفسهم فريسة سهلة لأهل السياسة ليتم تجنيدهم بكل سهولة، واختيارهم للمشاركة في حدث ليس من صميم عملهم.

دور الإعلام في هذا الحوار يجب أن يكون دوراً ناقلًا وناقداً ومراقباً، وليس دور شريك في تقديم الأوراق والمساهمة في صياغة الأفكار، الإعلام دوره أن ينقل ما يدور، وأن يراقب، وأن يسأل، وأن ينتقد، وأن يضع المواطن أمام الحقيقة كاملة.

لقد سقط بعض الإعلاميين في هذا الامتحان، وكنا نتمنى أن يكونوا أكثر حصافة، وأن يدركوا أن استقلالية الإعلام تبدأ من رفض أي محاولة لاستمالته أو ربطه بالجهات السياسية.

أما الجهة التي دعت بعض الإعلاميين لحضور الحوار السوداني السوداني، فنقول إنها أقدمت على خطوة تمثل قمة (الغباء) السياسي والإعلامي، لأنها بهذه الدعوة، كأنما أرادت من الإعلام أن يُجمِّل ما ترتكبه من أخطاء فادحة، وأن يُقوِّم إعوجاجها، بدلًا من أن يكشفه وينتقده.

هذا الجهة وبغبائها، تستميل الإعلام بتذاكر السفر والنثريات والإقامة في الفنادق، وهذا في حد ذاته إساءة للإعلام، وإساءة للحوار السوداني السوداني، وإساءة لأهل السياسة والسياسيين المشاركين فيه.

ونقول لهذه الجهة، لقد بددتُم أموال البلد، وهي أموال المواطن، وهو أحوج ما يكون إليها في هذه الظروف الصعبة، كان الأولى أن تتركوا الإعلام لمؤسساته، بأن تتكفل بإرسال منسوبيها لتغطية الحوار، وأن تتيحوا الفرصة، بصورة أكبر، للصحفيين والإعلاميين الموجودين داخل السودان لتغطية المؤتمر.

أما أن تتم استمالة الإعلاميين بتذاكر السفر والفنادق والنثريات، فهذه ليست خدمة للإعلام، وإنما إضعاف لدوره وتقييد لاستقلاليته وحريته.

كنا ننتظر من هذه الجهة أن تدرك حساسية العلاقة بين السياسة والإعلام، وأن تعرف أن الإعلام المستقل هو الذي يخدم أي حوار، وليس الإعلام الذي يتم استدعاؤه وتمويل سفره وإقامته ونثرياته.

لكنها، للأسف، انزلقت إلى مربع الغباء، وأساءت بهذه الخطوة للحوار السوداني السوداني، وأساءت للإعلام، وأساءت حتى للسياسيين أنفسهم.