معاوية الجاك...يكتب..

الانتهازيون وترشيح البرهان.

بعد مرور أكثر من عام على حملات ترشيح الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان لرئاسة الجمهورية، خرج الرجل أخيراً ليطالب من يرشحونه بالتوقف عن هذه الحملات، مؤكداً أنه لا يريد أن يرشحه أحد، وأن الأولوية الآن لإنهاء الحرب.

حملات ترشيح البرهان لم تبدأ اليوم أو بالأمس، وإنما استمرت لأكثر من عام، بمشاركة عدد من القيادات والشخصيات المعروفة مثل محمد الأمين تِرِك ومصطفي تمبور، إلى جانب مجموعة من الانتهازيين الذين ظلوا يتقربون من الرجل ويرفعون شعارات ترشيحه للرئاسة ومنحه أعلى الرُتب، دون أن يقدموا للشارع السوداني معاييراً موضوعية تبرر هذا الترشيح.

كان البرهان صامتاً طوال تلك الفترة، ولذلك فإن خروجه الآن لمطالبة هؤلاء بالتوقف عن ترشيحه خطوة في الاتجاه الصحيح وتُحسب له بالتأكيد حال استمرت مطالبته.

لكننا نقول للسيد البرهان، إن القضية اليوم أكبر من مسألة الترشيح للرئاسة، فالبلاد تعيش أزمةً اقتصاديةً خانقة، أغلقت امامها الكثير من أبواب الأمل أمام المواطن، وظلت الحكومة عاجزة في حلها، في ظل ارتفاع الأسعار، وتراجع الخدمات، والاضطراب الأمني، وانتشار الفساد والمخدرات، وهي أزمات تقع مسؤولية كبيرة عن معالجتها على الحكومة التي اختارها البرهان وساندها.

الأزمة السياسية، مهما بدت معقدة، يمكن التعامل معها بالحوار والترتيبات السياسية، لكن الأزمة الاقتصادية أكثر قسوة وخطورة، لأنها تمس حياة المواطن بصورة مباشرة، فالمواطن لا ينتظر الآن انتخابات أو شعارات سياسية، وإنما يريد أمناً، وغذاءً، ودواءً، وتعليماً، وخدمات أساسية، وفرصة ليعيش حياة كريمة سهلة وآمنة.

والدرس الأقرب إلى الذاكرة هو ما حدث للرئيس السابق عمر البشير، فقد استمر الرجل في السلطة، ووجد حوله مجموعة من الإنتهازيين، يزينون له فكرة الاستمرار وطرح تعديل الدستور على البرلمان، ويقنعونه بأن الشارع ما زال معه وأن الظروف تسمح بتمديد بقائه في الحكم.

لكن الواقع كان مختلفاً، وكانت النهاية أن انفجرت الأوضاع وانتهى الأمر بسقوط النظام سقوطاً مُهيناً، ثم دخلت البلاد في أزمات متلاحقة، وصولاً إلى الحرب التي يدفع السودانيون ثمنها اليوم.

لذلك نقول للبرهان إن الذين يرفعون الآن شعارات ترشيحك للرئاسة قد لا يقدمون لك خدمة حقيقية، بل يقودونك إلى المحرقة، إنهم يصورون لك المشهد وكأنه سهل ومفتوح، بينما الواقع أكثر تعقيداً وقسوة.

نقول للبرهان إن الأزمة الاقتصادية هي الخطر الأكبر على أي سلطة، فالمواطن الذي يعاني من الغلاء وانعدام الخدمات، لا يمكن أن يظل منشغلاً بالشعارات السياسية وصابراً إلى ما لا نهاية، وربما يكون المواطن الذي يهتف لك ويستقبلك اليوم في الطرقات، هو نفسه الذي سيحاسبك ويثور عليك غداً إذا استمرت معاناته، ولم يجد تغييراً حقيقياً وبريقاً من أمل في حياته.

أما الأزمة السياسية، فهي في النهاية تضغط على نخبة محدودة يمكن التعامل معها بالحوار والإقناع والتفاهمات، ولكن الأزمة الاقتصادية تضغط على الملايين من السودانيين، ولا يمكن احتواؤها بالشعارات أو المهرجانات أو حملات الترشيح.

نصيحتنا للبرهان أن يتفرغ لما هو أهم من الترشيح للرئاسة، بإنقاذ الاقتصاد وبناء مؤسسات الدولة من خلال التأسيس لمنظومة دولة القانون، وهذا يبدأ بتشكيل حكومة قوية ومحترمة، يقودها رئيس وزراء يمتلك الكفاءة والقدرة على اتخاذ القرار، وتُحظى بدعمٍ وحماية كاملة من البرهان وجميع القوات النظامية، وفي مقدمتها جهاز المخابرات العامة.

كما أن المطلوب هو محاربة الفساد بصورة حقيقية، وتحرير موارد الدولة وثرواتها، وعلى رأسها الذهب، وضبط الأسواق، ومكافحة انتشار المخدرات، وتوفير الأمن للمواطن حتى يتمكن من العمل والإنتاج وتوفير احتياجاته.

عزيزي البرهان، لا تمنح أذنك لمن يزينون لك المشهد، ولا لمن يصورون لك أن الطريق إلى الرئاسة مفروش بالورود، بينما البلاد تنزف والمواطن يواجه أقسى ظروف حياته.

المسؤولية الحقيقية اليوم ليست البحث عن موقع رئاسي، وإنما إنقاذ السودان من الحرب والانهيار، وإعادة بناء الدولة على أسس واضحة، وتحقيق الأمن والاستقرار والعدالة.

وأخيراً نقول للسيد البرهان، قبل أن يسألك أحد عن الترشح للرئاسة، اسأل نفسك:

(هو وينو السودان العايزين يرشحوك رئيس عليهو؟).