د معاذ شرفي.. يكتب..

​تعبّر مؤسسات الدولة عن فلسفة النظام الإداري وعقيدته في خدمة المجتمع فالانطباع الأول للمواطن لا يتشكل من النصوص القانونية المكتوبة بل من تفاصيل اللقاء الأول عند نافذة الخدمة.

وفي ظل الظروف والتحديات الراهنة التي يمر بها السودان يتجاوز (فن التعامل مع الجمهور) مفهوم المهارة الإدارية المحضة ليصبح ضرورة وطنية وأداة استراتيجية لترميم جسور الثقة بين المواطن ومؤسسات الخدمة المدنية والارتقاء بالممارسة الإدارية لتكون أكثر مرونة وإنسانية.


​تستند جودة الخدمة الحكومية إلى ثلاثة أبعاد رئيسية متكاملة يتجلى أولها في البُعد النفسي والاجتماعي الذي يبدأ من استيعاب الضغوط الحياتية التي يحملها المراجع ومقابلتها بالاستماع الفعّال والاستقبال الحفي الذي يزيل التوتر ويوفر الطمأنينة.


بينما يركز البعد المهني والأخلاقي على ترسيخ النزاهة والعدالة والحياد واستشعار الموظف أن موقع الخدمة تكليف وأمانة وليس سلطة أو امتيازا.

ويكتمل ذلك بـالبُعد الإجرائي والتنظيمي الذي يتجسد في تبسيط الدورة المستندية وتوضيح الشروط والمعاملات لمنع الاجتهادات الشفهية وتوفير وقت المواطن وجهده.


​إن ترجمة هذه الأبعاد إلى واقع ملموس تتطلب مهارات أساسية لدى موظفي الخطوط الأمامية تبدأ من حسن الاستقبال والترحيب بلغة جسد متقبّلة تشعر المراجع بالاهتمام مرورا بـالإنصات الفعّال ومنح المواطن المساحة الكافية لشرح مشكلته دون مقاطعة وصولا إلى ضبط النفس وإدارة الغضب بالتعامل بصلابة نفسية وهدوء تام مع المواقف الحادة.


كما تشمل هذه المهارات الشفافية والوضوح في شرح خطوات المعاملة وتوضيح الأسباب القانونية والإدارية بلباقة عند تعذر الإنجاز.


​تُواجه الإدارة العامة تحديات ميدانية جَسيمة لكن معالجتها ممكنة عبر قرارات عملية فمشكلة ازدحام المقرات وضغط العمل تُعالج بتنظيم صالات الانتظار وتفعيل أنظمة الدور الإلكتروني وتقسيم المهام بكفاءة.

أما ضعف التأهيل فيتم تجاوزه بإقامة ورش عمل ودورات تدريبية مستمرة حول مهارات التواصل والإتيكيت الإداري وإدارة الأزمات.

وفي مواجهة الروتين والبيروقراطية يأتي التحول الرقمي وأتمتة الخدمات كحل جذري يقلل من المعاملات الورقية ويسهل وصول الخدمة لمستحقيها.


​ينعكس هذا التطوير مستقبلا على تعزيز الاستقرار الاجتماعي واستعادة الثقة بين المجتمع ومؤسسات الدولة إلى جانب رفع كفاءة الأداء الحكومي بتقليل الهدر الزمني والتنظيمي وبناء صورة ذهنية إيجابية قائمة على الاحترام المتبادل.


ولتحقيق هذه الغايات يجدر بالجهات المعنية التركيز على تصميم حقائب تدريبية متخصصة لموظفي الواجهة وإعداد دليل استرشادي وبروتوكول سلوكي واضح مع تفعيل أدوات دقيقة لقياس مستوى رضا المتعاملين وتلقي شكاواهم.


إن الإصلاح الإداري يبدأ من إدراك أن الموظف العام هو سفير الدولة وأن حسن التعامل ليس نافلة إدارية بل هو جوهر الوظيفة العامة وعماد استقرارها.