زين العابدين الطيب عثمان..يكتب..
في ذكرى رحيل الزعيم إسماعيل أحمد إسماعيل الأزهري بن الشيخ إسماعيل الولي، لا نستعيد سيرة رجل من رجال السياسة فحسب، ولا نستحضر اسمًا ارتبط بمرحلة من تاريخ السودان، بل نقف أمام نموذج من جيل صنع البداية من لا شيء هو ورفاقه لم يجدوا أمامهم طريقًا معبّدًا للعمل السياسي الوطني، ولم تكن بين أيديهم تجربة سودانية سابقة يستندون إليها، ولا دولة مستقلة ذات مؤسسات راسخة وتقاليد سياسية ودستورية. كانوا يخوضون التجربة الأولى، ويتعلمون السياسة وهم يمارسونها، ويبنون المؤسسات وهم يؤسسون لدولة جديدة.
والأهم في تجربة الأزهري أنه كان زعيمًا جاء من الهامش وقاد المركز، وهذه ليست مجرد عبارة جغرافية، وإنما حقيقة تحمل دلالة سياسية وتاريخية عميقة في السودان.
فالأزهري لم يأتِ من مركز السلطة، ولم يستمد شرعيته من امتلاك الثروة أو النفوذ ، وإنما صعد من موقع اجتماعي وتعليمي ووطني إلى قيادة الحركة السياسية، ثم إلى قيادة الدولة.
لقد أثبتت تجربته أن السودان لم يكن يومًا حكرًا على موقع بعينه، وأن القيادة الوطنية يمكن أن تأتي من حيث يوجد الوطنيون، عندما تتوافر الإرادة والكفاءة والرؤية والقدرة على مخاطبة وجدان الشعب.
ومن هنا فإن الأزهري يمثل نموذجًا مهمًا في تاريخ السودان: رجل من خارج مركز السلطة استطاع أن يصل إلى المركز، لا ليكرّس احتكار المركز، وإنما ليقود مشروعًا وطنيًا أوسع منه.
إذ إنهم كانوا جيلًا لم تكن أمامه أي سوابق.
علينا ونحن نقرأ تجربة الأزهري ورفاقه أن نتذكر طبيعة الزمن الذي عاشوا فيه.
لم تكن هناك تجربة سودانية سابقة في بناء دولة وطنية مستقلة يمكن الاقتداء بها، ولم تكن هناك خرائط جاهزة لكيفية إدارة التنوع السياسي والاجتماعي، أو كيفية الانتقال من الحكم الاستعماري إلى الدولة الوطنية. كان عليهم أن يبدأوا بأنفسهم.
ولهذا فإن تجربة ذلك الجيل ينبغي أن تُقرأ بعدالة، لا بالتقديس الذي يمنع النقد، ولا بالتجني الذي يتجاهل ظروف المرحلة.
يمكن أن نختلف مع الأزهري في بعض المواقف، وأن نناقش أخطاء تلك المرحلة، لكن ذلك لا يلغي الحقيقة الكبرى: أنهم كانوا جيل التأسيس.
فالذين جاءوا بعدهم وجدوا مؤسسات وتجارب ودساتير وأخطاء ونجاحات يمكن التعلم منها. أما جيل الأزهري فكان عليه أن يفتح الطريق دون أن تكون أمامه تجربة سودانية سابقة. وهنا تكمن قيمة الريادة.
لم يكن الاستقلال عند الأزهري مجرد خروج المستعمر من السودان، وإنما كان تعبيرًا عن إرادة شعب يريد أن يمتلك قراره ومستقبله.
ولهذا ارتبط اسمه بمرحلة مفصلية في تاريخ السودان الحديث، وأصبح واحدًا من أبرز رموز الاستقلال والحركة الوطنية.
لكن قيمة الأزهري لا تكمن فقط في موقعه كأول رئيس وزراء للسودان بعد الاستقلال، وإنما في كونه أحد الذين نقلوا الحركة الوطنية من مقاومة الاستعمار إلى مشروع سياسي لبناء الدولة الوطنية.
وهذا التحول لم يكن سهلًا. فالدولة الوليدة كانت تواجه تحديات سياسية واجتماعية واقتصادية كبيرة، وكانت الانقسامات والتدخلات والصراعات تبحث عن مواقعها داخل التجربة الجديدة.
ربما تكون أهم قيمة نستعيدها من الأزهري اليوم هي معنى القيادة الوطنية العابرة للمركز والهامش.
فالسودان الذي نريده لا يمكن أن يُبنى بمنطق أن المركز وحده يمتلك الحق في القيادة، أو أن الهامش لا يصل إلى الدولة إلا عبر الصراع.
تجربة الأزهري تقول شيئًا مختلفًا: يمكن لرجل يأتي من خارج المركز أن يقود المركز عندما يمتلك مشروعًا وطنيًا قادرًا على مخاطبة الجميع.
وهذا الدرس أكثر أهمية اليوم، في ظل ما وصل إليه السودان من حروب وانقسامات واستقطاب.
لقد أثبت التاريخ أن السودان أكبر من مركز وأكبر من هامش، وأن الدولة لا تستقيم إلا عندما يشعر كل سوداني أن له مكانًا فيها، وأن المواطنة هي أساس الحقوق والواجبات.
إن الاحتفاء بالأزهري لا يعني تحويله إلى شخصية فوق النقد، فالقادة بشر، والتاريخ لا يُقرأ بالأساطير.
لكن الإنصاف يقتضي أن نضع التجربة في سياقها، وأن نرى الإنجاز إلى جانب الإخفاق، والظروف إلى جانب النتائج.فالرجل
ورفاقه خاضوا تجربة لم تكن لها سوابق سودانية، ولذلك كان عليهم أن يصنعوا الطريق وهم يسيرون فيه. وهذا وحده يستحق
التوقف أمامه.
في ذكرى رحيله، لا ينبغي أن تقتصر رسالتنا على استعادة الصور والخطب والأناشيد.
السؤال الحقيقي هو:
ماذا فعلنا بالسودان الذي حلم به جيل الاستقلال؟
هل بنينا دولة تتسع للجميع؟
هل جعلنا المواطنة أساسًا للانتماء والحقوق؟
هل تعلمنا أن الاختلاف السياسي لا يبرر الحرب؟
وهل فهمنا أن الدولة ليست غنيمة لمن ينتصر بالسلاح؟
هذه الأسئلة هي التي تجعل ذكرى الأزهري حية.
فالأوطان لا تكرّم قادتها بكثرة الاحتفالات، وإنما بالحفاظ على القيم التي ناضلوا من أجلها.
واليوم، والسودان يعيش واحدة من أصعب مراحل تاريخه، نحن بحاجة إلى استعادة شجاعة ذلك الجيل: شجاعة البداية، وشجاعة الاعتراف بالأخطاء، وشجاعة وضع الوطن فوق الحزب والجماعة والفرد.
إذا كان الأزهري ورفاقه قد بدأوا بناء الدولة دون أن يجدوا أمامهم تجربة سودانية سابقة، فإن مسؤوليتنا اليوم أن نبدأ من جديد، مستفيدين من كل ما صنعه السابقون، ومن كل ما علّمتنا إياه التجربة.
في ذكرى الرحيل نقول
رحم الله الزعيم إسماعيل الأزهري، ورحم رفاقه من جيل الاستقلال، ورحم كل من وضع لبنة في بناء السودان.
نستعيد سيرتهم اليوم لا لأنهم كانوا بلا أخطاء، وإنما لأنهم كانوا روادًا فتحوا الطريق في زمن لم يكن فيه الطريق مفتوحًا.
كان الأزهري زعيمًا جاء من الهامش وقاد المركز، وكان جيله جيل البداية.
أما نحن، فجيل الاختبار.
والاختبار الحقيقي ليس في قدرتنا على الحديث عن الماضي، وإنما في قدرتنا على صناعة المستقبل.
أن نعيد للسودان دولته، وللإنسان السوداني كرامته، وللسياسة معناها، وللاختلاف احترامه، وللوطن وحدته.
ذلك هو التكريم الحقيقي للزعيم إسماعيل الأزهري ورفاقه
هم لم يرثوا تجربة وطنية مكتملة… كانوا هم من بدأوا التجربة.
والأجيال التي جاءت بعدهم مطالبة بأن تبدأ من حيث انتهوا، لا أن تعيد أخطاءهم من حيث بدأوا.