محمد بابكر ...يكتب..
في وقتٍ تداعت فيه الخطوب وتكالبت فيه المحن على أركان الوطن يأتي الهلال الأحمر السوداني ليعيد تنشيط الذاكرة الجمعية بحقيقة أزلية هي أن المعادن النفيسة لا تزيدها عواصف الشدائد إلا جلاء وبهاء.
إن الحصول على المركز الثاني عالميا في مسابقة كأس العالم للإسعافات الأولية ونيل شهادة التميز الدولية (Certificate of Distinction) هو بيانا ساطعا وتأكيدا راسخا على أن روح العطاء السوداني ما تزال تنبض بالتفوق والريادة وسط أعتى الظروف.
إن الجمعيات الوطنية الشامخة ليست مجرد لافتات تتداعى مع الخطوب بل هي العصب الحي للأمة والأثر الباقي من أصالة شعبها.
لم يكن هذا الإنجاز الباهر صدفة عابرة أو ضربة حظ بل جاء حصادا لغرسٍ استراتيجي وثمرة لرؤية نافذة وضع لبناتها الأستاذ عبد الرحمن بلال بالعيد رئيس جمعية الهلال الأحمر السوداني والسيد أحمد الطيب سليمان الأمين العام إلى جانب نخبة من القيادات والتنفيذيين والمتطوعين الأوفياء.
لقد جسدت هذه الملحمة قدرة الكادر الوطني على اعتلاء منصات التتويج والتفوق على عمالقة الإغاثة والإنقاذ في العالم متى ما توافرت الإرادة الصارمة والتخطيط الاحترافي حيث تحول الهلال الأحمر إلى منظومة ميدانية تعتمد أحدث المعايير الدولية مع التركيز على نشر ثقافة (الإسعاف الوقائي) لبناء خط دفاع أول في كل بيت.
وقد تجلت هذه الجاهزية في الأداء البطولي للفريق الميداني بقيادة الدكتورة روان والأستاذ صالح عبد الرحمن وبمشاركة نخبة من شباب الولايات الذين قدموا نماذج ملهمة في التضحية والانضباط.
إن الإسعافات الأولية ليست مجرد حقيبة وضماد بل هي فلسفة نبل إنساني وفن متجدد لمنح الحياة بإذن الله.
التحية والتقدير لكل يد شمرت عن ساعد الجد ولكل متطوع ارتدى تلك الشارة البيضاء ليخفف الألم ويمنح الأمل.
ينبغي أن ندرك جميعا أن ما يسطره الهلال الأحمر اليوم في ميادين البلاء ينبع مباشرة من أصول الجينات السودانية الأصيلة و ذلك المعدن النفيس لشعب علّم التاريخ كيف تُقهر الصعاب وكيف يستمر الأمل بالخفقان تحت أثقل الأزمات.
إن هذا الصمود الاستثنائي وقوة التحمل الراسخة ليست غريبة على الإنسانية السودانية حين تختبر.
فقد أثبت شعب السودان للعالم أجمع أنه خرج من أتون الحرب أكثر صبرا وأشد تماسكا وثباتا.
سيظل الهلال الأحمرالسوداني قلعة من قلاع الشموخ وصرحا شامخا يختزل شجاعة هذا الشعب ورقيّ مقصده شاهدا أبديا على أن جوهر الإنسان السوداني عصيّ على الانكسار وأن ضياء إنسانيته سيبقى السراج الذي يمزق أعتى العتمات ويهزم أصعب الأوقات.