مصعب بريــر...يكتب ...
حين يُيتم الموتُ أمّة.. ترجّل الفارس وسقطت عصا السند ..!
هل تُقاس حياة العظماء بعدد السنين التي قضوها فوق هذه الأرض، أم بالآثار والندوب الجميلة التي تركوها في وجدان شعوبهم؟ الموت هو الحقيقة الكبرى الوحيدة التي توحد البشر، سنة الله التي لم يستثنِ منها حتى نبيه المصطفى صلى الله عليه وسلم، حين قال في محكم تنزيله: "كل نفس ذائقة الموت". ومع ذلك، حين يترجل عن دنيانا قائد استثنائي، فإن الحزن لا يعود مجرد طقس عابر، بل يتحول إلى وقفة تأمل عميقة في مسيرة رجل غيّر جغرافيا الأفكار قبل أن يغير حدود السياسة. برحيل الأمير الوالد، الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، نودع شخصية لم تكن مجرد حاكم مرّ على تاريخ بلاده، بل صانع لنهضتها الحديثة ومهندس حضورها العالمي المعاصر.
لقد تسلم الأمير الوالد مقاليد الحكم في قطر وهو زاهد في وهج السلطة، لكنه كان يحمل في صدره رؤية طموحة لوطن أراد له أن يكون في صدارة الأمم. وبدلاً من التمسك بالكرسي، أسس لبنيان متين من المؤسسات والقيم، وما إن اطمأن إلى صلابة الأرضية التي يقف عليها مشروعه الوطني، حتى ضرب مثلاً نادراً في السياسة العربية؛ حيث ترجل طواعية عن الحكم، مسلماً الراية بسلاسة لنجله الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني. هذه الخطوة لم تكن مجرد انتقال للسلطة، بل كانت إيماناً عميقاً بضرورة استدامة النهضة وضخ دماء جديدة في عروق الدولة، لتستمر الرحلة بذات القوة والثبات والالتزام بالهوية والتعاليم الإسلامية الأصيلة.
في عهده، تحولت قطر من دولة هادئة على ضفاف الخليج إلى عملاق اقتصادي تصدّر مشهد الطاقة العالمي كواحد من أكبر منتجي الغاز الطبيعي المسال. هذا الثراء لم يذهب هباءً، بل وُجّه بذكاء لبناء الإنسان القطري عبر تطوير التعليم العالي وجذب كبريات الجامعات العالمية. ولم يقتصر طموحه على الداخل، بل امتد ليعيد صياغة المشهد الإعلامي العربي والعالمي بإطلاق قناة الجزيرة التي منحت صوتاً لمن لا صوت لهم، وكسرت احتكار الحقيقة. ولم تكن الرياضة لديه مجرد ترف، بل وسيلة لبناء الإنسان وصناعة الأمل، وهو ما توج لاحقاً باستضافة المونديال التاريخي الذي أثبت للعالم قدرة العقل العربي على الإبهار والتنظيم.
ولأن الريادة لا تكتمل إلا بالانحياز لقضايا الأمة، فقد كانت مواقف الشيخ حمد بن خليفة بوصلة أخلاقية لم تنحرف يوماً تحت وطأة الضغوط الدولية. لقد ظل داعماً مخلصاً وفياً للقضية الفلسطينية في كافة مراحلها، باذلاً المال والجهد والسياسة لحماية صمود الشعب الفلسطيني دون قيد أو شرط. هذا الوضوح الأخلاقي تجلى أيضاً في رعاية العمل الإنساني العالمي عبر مؤسسات رائدة مثل قطر الخيرية، وفي قيادة دبلوماسية سلام فريدة ومستقلة، نجحت في تقريب وجهات النظر بالأزمة الأفغانية الشائكة. لقد كانت قطر في عهده وسيطاً موثوقاً يحمل الخير للجميع، متسلحة بإرث وتراث أصيل يمتد لجدها المؤسس الشيخ جاسم بن محمد بن ثاني.
وللسودان في قلب هذا الرجل قصة خاصة تفيض بالحب والتقدير المتبادل، تجسدت في مواقف عملية لم تعرف يوماً المن والأذى. لقد كان الأمير الوالد السند الحقيقي لبلادنا في أوقات الشدة، فجهوده الصادقة في إنجاح مفاوضات سلام دارفور وإعادة إعمار الإقليم ستظل محفورة في ذاكرتنا الوطنية. هذه العاطفة الجياشة تجاه السودان لم تكن شعاراً سياسياً، بل تجسدت واقعاً عندما جاء الأمير الوالد، متكئاً على عصاه برفقة الشيخة موزا، ليقدم واجب العزاء في فقيد السودان المشير عبد الرحمن سوار الذهب.
بعد اخير :
خلاصة القول، اليوم، ونحن نرى هذا الإرث مستمراً بحرص دولة قطر على حماية تراثنا وآثارنا المنهوبة خلال الحرب الحالية، ندرك حجم الفقد. إن غياب القادة الكبار يترك فراغاً شاسعاً، لكن عزاءنا أنهم يتركون وراءهم من يكمل المسير بذات الشغف والوفاء.
أخيرًا، عظماء التاريخ لا يرحلون تماماً طالما أن بذورهم قد أثمرت وطناً يُشار إليه بالبنان؛ فالرحيل الجسدي غياب مؤقت، والنهضة الحية هي الخلود الحقيقي الذي لا تمحوه السنين.
﴿لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾.
ونواصل إن كان في الحبر بقية، بمشيئة الله تعالى.
البُعد_الآخر | مصعب بريــر
الأربعاء | 15 يوليو 2026م